ميرزا محمد حسن الآشتياني
13
بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )
عدم المؤاخذة ولو مع الإصرار بل يجعله كغيره من الذنوب فلا يكون تناف بين كلامه انتهى كلامه رفع مقامه ويوافقه ما أفاده شيخنا قدس سره في الكتاب ويرجع إليه وإن تغايرا بالإجمال والتفصيل كما هو واضح وحاصلهما ما عرفت من أن مبنى الملازمة على كون حكم العقل دليلا على حكم الشرع وثبوته بالدّليل العقلي أو غيره يلازم الاستحقاق لا الفعليّة فلا ينافي العفو عنه إذا لم يكن هناك بيان من الرسول على ثبوته في مورد حكم العقل كما في بعض المحرّمات الشرعيّة كالظهار والعزم على المعصية على القول بكونه معصية موعودا على عفوه كما استظهر من بعض أخباره وإن مضى الإشكال في ذلك في الجزء الأوّل من التعليقة وأن العفو كيف يجامع وجوب اللطف بالوعد والوعيد على الحكيم تعالى ومبنى البراءة وإن كان على المعذورية ونفي الاستحقاق إلا أن نفي الفعليّة بارتكاب الشبهة تلازمه باعتراف الخصم فإذا حملت الآية على ظاهرها وهو نفي الفعلية كان الجمع صحيحا بضميمة هذه المقدّمة الخارجيّة نعم لو كان المدّعي للملازمة بين الحكمين مدّعيا لثبوت حكم الشارع بحكم العقل على نحو ثبوته بالنقل من غير أن يكون هناك عفو وكان تسالمهم على كون هذا المعنى محلّا للكلام كما يظهر من جعلهم ثمرة النزاع ترتب الثواب والعقاب على حكم العقل وعدمه وزوال العدالة بمجرّد المخالفة أو الإصرار عليها وعدمه إلى غير ذلك واستدلال النافين بأن الثواب والعقاب إنما يترتّبان على إطاعة الشارع ومعصيته فلا يفيد حكم العقل لجاز التمسّك بالآية على نفي الملازمة وتوجّه التناقض على الجمع والأولى في الإيراد على المتمسّك بالآية على نفي الملازمة حملها على الغالب فإن مورد حكم العقل في غاية القلّة أو جعل البعث كناية كما عرفت في الكتاب إلى غير ذلك مما ذكرنا في باب الملازمة ولما كان زعم شيخنا قدس سره على ما عرفت ورود الآية في مقام الإخبار عن العذاب الدنيوي في الأمم السابقة والنقل عن حالهم قال في الكتاب والإنصاف أن الآية لا دلالة لها على المطلب في المقامين أي البراءة ونفي الملازمة ( قوله ) قدس سره ومنها قوله تعالى وما كان اللّه ليضلّ قوما بعد إذ هداهم حتى يبيّن لهم ما يتّقون أي ما يجتنبونه من الأفعال والتروك إلى آخره ( 1 ) ( أقول ) الآية في سورة البراءة وفي الصافي عن الكافي وتفسير العيّاشي وكتاب التوحيد عن الصّادق عليه السلام حتى يعرفهم ما يرضيه ويسخطه وقال في مجمع البيان أي ما كان اللّه ليحكم بضلالة قوم بعد ما حكم بهدايتهم حتى يبيّن لهم ما يتّقون من الأمر بالطّاعة والنهي عن المعصية فلا يتّقون فعند ذلك يحكم بضلالتهم وقيل وما كان اللّه ليعذّب قوما فيضلّهم عن الثواب والكرامة وطريق الجنّة بعد إذ هداهم ودعاهم إلى الإيمان حتى يبيّن لهم ما يستحقون به الثواب والعقاب من الطاعة والمعصية وقال في سبب النزول قيل مات قوم من المسلمين على الإسلام قبل أن ينزل الفرائض فقال المسلمون يا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله إخواننا الذين ماتوا قبل الفرائض ما منزلتهم فنزل وقيل لما نسخ بعض الشرائع وقد غاب أناس وهم يعملون بالأمر الأوّل إذ لم يعلموا بالأمر الثاني مثل تحويل القبلة وغير ذلك وقد مات الأولون على الحكم الأوّل وسئل النبيّ صلى اللّه عليه وآله عن ذلك فأنزل اللّه الآية وبيّن أنّه لا يعذّب هؤلاء على التوجّه إلى القبلة الأولى حتى يسمعوا بالنسخ ولا يعملوا بالناسخ فحينئذ يعذبهم به انتهى كلامه رفع مقامه وقيل الآية لمجرد الإخبار عن حال الأمم السابقة على ما صنعه شيخنا قدس سره في الكتاب كالآية السابقة وهو ينافي ما عرفته في تفسير الآية وسبب نزولها مع أن النفي في قوله تعالى وما كان اللّه ظاهر في بيان مقتضى الحكمة وأنه تعالى لمكان حكمته لا يضلّ قوما قبل هدايتهم وبيان الأحكام لهم كما عرفت في تقريب دلالة الآية السابقة سواء أريد من الإضلال العذاب أو الخذلان فإنه لا يكون إلا عن سبب يرجع إلى العباد وهو المعصية فإنّه نوع من العذاب والعقاب حقيقة وإن كان في الدنيا مضافا إلى أن الخذلان بدون البيان والإعلام إذا كان منفيّا من حيث كونه على خلاف الحكمة الإلهيّة كان العذاب الأخروي أيضا منفيا بالفحوى ومفهوم الموافقة كما استدركه بقوله اللهمّ إلا بالفحوى فإن نفي الاستلزام في كلامه محمول على ما ذكرنا من المعنى الراجع إلى دلالة الآية على توقف الخذلان على البيان بالنظر إلى الحكمة من غير فرق بين الأمم وإلّا لم يكن معنى للاستدراك فالإنصاف أن الآية لا تخلو عن ظهور في المدّعى سيما إذا لوحظ ما تقدم عليها من قوله تعالى ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه الآية [ في بيان عدم دلالة الآية على أصالة البراءة ] ( قوله ) قدس سره وفي دلالتها تأمل ظاهر ( 2 ) ( أقول ) الآية في سورة الأنفال وهي تعليل لما صنع اللّه تعالى قضية بدر وفيها احتمالان أحدهما أن يكون المراد من الهلاكة والحياة ظاهرهما أي الموت والتّعيش في الدنيا ثانيهما أن يكونا استعارتين عن الإسلام والكفر أي يكون كفر من كفر عن وضوح بيّنة وعلم لا عن شبهة حتّى لا يبقى له على اللّه حجّة ويكون إسلام من أسلم عن يقين وبرهان وعلى كل تقدير لا دلالة لها على المدّعى وإنه تعالى لا يؤاخذ على كلّ حكم مجهول عند العباد غاية الأمر كونها مشعرة بذلك ( قوله ) قدس سره ويرد على الكل أن غاية مدلولها إلى آخره ( 3 ) ( أقول ) لا يخفى عليك ما يتوجّه على ما أفاده من المناقشة فإن المستفاد من أخبار الاحتياط مطابقة كأخبار التثليث أو التزاما ثبوت المؤاخذة على النهي الواقعي المجهول على تقدير تسليم دلالتها على وجوب الاحتياط في محل البحث فلا محالة تكون منافية للآيات المذكورة فكيف يجعل نسبتهما نسبة الأصل والدليل اللّهم إلا أن يكون المراد من الجهل الجهل بجميع مراتب النهي الواقعي حتى من حيث الظاهر كما يظهر من قوله بعد ذلك والإنصاف ما ذكرنا إلى آخره فإنه قرينة على مراده من هذه العبادة